الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

444

نفحات الولاية

يقول بها أم المجسمة ؟ أم الرؤية الروحية والمعنوية التي تفوق الرؤية العقلية ؟ لذلك أردف سؤاله بسؤال آخر فقال : « وَكَيفَ تَراهُ ؟ » هل هذا سؤال واستفهام لكشف الحقيقة أم نوع من الإنكار والجدال ؟ الجواب عن هذا السؤال يتوقف على تقييمنا لذعلب ، فإن كان من أصحاب الإمام عليه السلام فلا شك في أنّ سؤاله كان لمعرفة الحقيقة ، وإن كان أنساناً طائشاً ، كما يستفاد من بعض روايات المارة - فإنّ سؤاله يستند إلى الانكار والجدال . على كل حال أجابه الإمام عليه السلام بما يميط اللثام عن بعض الحقائق وقد أثر جوابه بالجميع بما فيهم ذعلب ، حيث نفهم على قدر مطالعتنا أنّه أُصيب بالذهول عندما فرغ الإمام من الكلام . فقد قال عليه السلام : « لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ » . المراد من حقائق الإيمان ، الأصول العقائدية والمعارف الحقة . ولتوضيح هذا الكلام ينبغي الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ المشاهدة على ثلاثة أنواع : 1 . المشاهدة الحسية التي تتم بالعين ، وأحياناً تزود هذه العين ببعض الأجهزة كالمجهر والتلسكوب . 2 . المشاهدة العقلية التي يبلغها عن طريق الإستدلال به فيرى الحقائق ببصيرة كالشمس من قبيل - ما ذكره المرحوم مغنية في شرح نهج البلاغة - مشاهدة نيوتن لقانون الجاذبية الذي يستحيل رؤيته بالعين أثر مشاهدته لسقوط التفاحة من الشجرة على سطح الأرض . 3 . الشهود الباطني وهو نوع من الإرداك الباطني لكن ليس الاستدلالي . فالإنسان يرى ببصيرته الواقع الموجود ويؤمن به دون الحاجة إلى الاستدلال ويبدو فهم هذا الإدراك والرؤية صعباً ما لم يبلغه الإنسان ، ولهذا الموضوع نماذج كثيرة في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية ، فقد ورد في آية بشأن إبراهيم : « وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ » « 1 » . وبشأن يعقوب حين انطلق إخوة يوسف

--> ( 1 ) . سورة الأنعام ، الآية 75